يدخل الكاتب، أياً كان جنسه، عالم الكتابة متكئاً على مخزون ذاكرته التاريخية واللحظوية. الذاكرة لا بمعنى التذكر وحفظ الوقائع واسترجاعها.
بل بما هي ملكة مقاومة للنفي ولسطوة الموت والفناء. هي مستوى للمتخيل.
وعالم لهذا المتخيل ينزاح في اتجاه استقلاليته، ويملك في هذه الاستقلالية، قدرة هائلة على المراكمة والتداخل.
يحاور الكاتب المتخيل من مسافة الكتابة، ينسج متخيله الخاص، ويعيد ترتيب وتقويم زمن الذاكرة. فالمتخيل له زمنه، وللكتابة زمنها المختلف.
وبين الزمنين تستمر علاقة الفرد بالواقع أو المرجع من حيث هو، أي الفرد، حضور في هذا الواقع، في نظام العلاقات فيه، في ما يحدد له موقعاً يحكمه ويتجاوزه كفرد.
من عالم المتخيل. الغائب الحاضر، منه كذاكرة يبليها الزمن، يأتي الكاتب إلى الكتابة زمنا ضد فنائه، يبني عالم نصه متخيَّلاً له نظامه ونسقه، يعيد تنظيم وترتيب وبناء الواقع بالشكل الذي يراه جمالياً وأخلاقياً، إذ يحاول حواراً مع هذا المتخيل، يقدمه عملاً أدبياً سردياً أو غيره.
لكن الحديث عن كتابة المرأة هو حديث استثنائي، فالمرأة عاشت زمنها، أو زمن متخيلها، من دون أن تكون معنية بحفظه وتدوينه، فتسربت ذاكرتها وغدت عرضة للطمس.
دخلت المرأة عالم الكتابة خالية من ذاكرة ثقافية تتكئ عليها وتثبت موطئ قدميها في عالم تأخرت كثيراً في دخوله، وعندما فعلت أحست بكثير من الغربة في هذا العالم المرتب والمعد سلفاً، والذي لم تسهم هي في بنائه وتأسيسه، وبالتالي لم يكن لها وجود فيه. فالمرأة في اللغة، كما في غيرها من مجالات الحياة، ظلت موضوعاً، وليست ذاتاً أصيلة.
فمن الثابت زمنياً أن الرجل مارس الكتابة قبل المرأة، وحيث كان سباقاً إلى ميدانها فقد اعتلى عرشها، وادعى سلطانها واحتكره لنفسه، حتى أصبح محور بنيتها وأساس الثقافة فيها، وفرضت بنية التفكير الأبوي نفسها في تشكيل القيم والأعراف الأدبية مثلما فرضت نفسها في تشكيل كل صيغ الواقع؛ مما لم يسمح بظهور أدب نسائي يستجيب لرؤى المرأة ويعبر عن تجاربها ووجهة نظرها.
فظل الرجل هو صانع خطاب المركز، وهو الذي يرتب صلات هذا المركز بأطرافه قرباً وبعداً وانقياداً وتبعية، لاسيما بعد أن اكتشفت الكتابة فغدت نمطاً مفتعلاً في صناعة اللغة وتقنية الخطاب، بحيث غدا الرجل هو منتج المعرفة ومستهلكها. وظلت المرأة على هامش الثقافة، وخارج دائرة الفعل.
انفرد الرجل بتدوين المسيرة الإنسانية، وتسجيل الوقائع والأحداث، وصناعة التاريخ، فطغى حضوره، واستولى على كامل رقعة التاريخ، في حين أقصيت المرأة وهمش دورها، وطُمر تاريخها حين غابت عن كتابة التاريخ وصناعة الثقافة.
وتؤكد العديد من الدراسات في هذا السياق، أن المرأة كانت حاضرة باستمرار، وأن لها تاريخاً كما للرجل.
لكن المشكلة أن تاريخها ودورها لم يحفظ ولم يدون.
تقول ديل سبيندر :" صنعت النساء تاريخاً بقدر ما صنع الرجال لكن تاريخهن لم يسجل ولم ينقل؛ وربما كتبت النساء بقدر ما كتب الرجال، ولكن لم يتم الاحتفاظ بكتاباتهن، وقد خلقت النساء من دون شك من المعاني بقدر ما خلق الرجال، لكن هذه المعاني لم تكتب لها الحياة حين ناقضت المعاني النسائية المعاني الذكورية وفهم الذكور للواقع".
وبينما ورثنا المعاني المتراكمة للتجربة الذكورية، فإن معاني وتجارب جداتنا غالباً ما اختفت من على وجه الأرض».